مررتُ قبل أيام بمقهى كنت أزوره كثيرًا.
لم يتغيّر فيه شيء يستحق الملاحظة؛ الواجهة نفسها، والطاولات في مواضعها، وحتى المقعد القريب من النافذة كان خاليًا كما أحب.
ومع ذلك، بدا المكان غريبًا.
كأنّه احتفظ بكل شيء، إلا النسخة التي كنتُ أدخل بها إليه.
وربما لهذا كتب كثيرٌ من الروائيين عن الأماكن، لا بوصفها جدرانًا وطرقات، بل بوصفها أوعيةً للزمن.
حين يبقى المكان ونتغيّر
في رواية «قبل أن تبرد القهوة»، يجعل توشيكازو كاواغوتشي من المقهى مكانًا يمكن للإنسان أن يعود من خلاله إلى الماضي.
لكن العودة لا تغيّر ما حدث.
«الحاضر لم يتغيّر، لكنهما تغيّرا.»
فالمكان لا يعيد إلينا الزمن، لكنه يمنحنا فرصةً لنرى أنفسنا كما كنّا.
وتلتقي هذه الفكرة مع ما كتبته أغاثا كريستي عن العودة إلى الأماكن القديمة؛ فالعودة إلى المكان ليست دائمًا عودةً إليه كما نعرفه.
لأن المكان الذي تحتفظ به الذاكرة لا يبقى كما كان، حتى وإن ظلّت الطرقات والنوافذ والطاولات في مواضعها.

فالذي يتغيّر في النهاية هو نحن.
الأماكن التي تصنع حكاياتنا
لكن علاقتنا بالأماكن لا تصنعها الذاكرة وحدها، بل تصنعها أيضًا التفاصيل اليومية التي عشناها داخلها.
ومن هنا تأتي فكرة راي أولدنبرغ عن «المكان الثالث».
فالمقهى، أو المكتبة، أو الحديقة، ليست مجرد أماكن نقصدها، بل مساحات تتشكّل فيها الصداقات، وتُروى الحكايات، وتصبح فيها التفاصيل العابرة جزءًا من ذاكرتنا.
ولهذا أيضًا تحضر الأماكن في كتابات أنتوني بوردان بوصفها تجارب لا نعبرها دون أثر.
نأخذ شيئًا من الأماكن التي نعبرها، ونترك فيها شيئًا منّا.
ولهذا قد تكفي رائحة قهوة، أو طريق اعتدنا المرور منه، أو مقعد اعتدنا الجلوس عليه، حتى يعود إلينا زمنٌ كامل.
ما الذي نبحث عنه حين نعود؟
ربما لا نشتاق إلى المكان وحده.
نشتاق إلى الحديث الذي دار فيه، وإلى الشخص الذي كان يجلس أمامنا، وإلى الشعور الذي كنّا نحمله ونحن نغادره، وإلى أنفسنا كما كانت في ذلك الوقت.
ولهذا، حين نعود إلى بعض الأماكن، نكتشف أننا لم نأتِ بحثًا عنها وحدها.
بل بحثًا عن نسخةٍ قديمة من أنفسنا، ما زالت، بطريقة ما، تعيش هناك.
ولهذا، حين نعود إلى بعض الأماكن، نكتشف أننا لم نأتِ بحثًا عنها وحدها.
أضف تعليق